لماذا مشاهدة الدروس البرمجية لا تكفي لتصبح مبرمجاً؟

مقدمة
لماذا مشاهدة الدروس البرمجية لا تكفي لتصبح مبرمجاً؟ في المقال السابق ناقشنا وهم الفهم في تعلّم البرمجة، ذلك الإحساس الخادع الذي يجعل المتعلم يعتقد أنه استوعب الدرس لأنه فهم الشرح، بينما يكتشف لاحقاً عجزه الكامل عن كتابة كود مستقل.
لكن إدراك هذا الوهم لا يحل المشكلة تلقائياً، بل يكشف طبقة أعمق منها، فالكثير من المتعلمين، بعد أن يعترفوا بأن الفهم النظري لا يكفي، يضاعفون جرعة المشاهدة ظناً منهم أن المزيد من الدروس سيغلق الفجوة.
وهنا تبدأ المفارقة: كلما شاهدت أكثر، شعرت أنك تعرف أكثر… وكلما حاولت التطبيق وحدك، اكتشفت أنك لا تعرف من أين تبدأ.
جدول المحتويات
المشاهدة تمنحك الطمأنينة… لا القدرة
أحد أكثر الأنماط شيوعاً بين متعلمي البرمجة هو هذا السيناريو: طالب مجتهد، أنهى عدة دورات، يستطيع شرح المفاهيم الأساسية بثقة، بل أحياناً يتفوق في النقاشات النظرية، لكن عندما يُطلب منه بناء برنامج بسيط من الصفر، يتجمّد أمام شاشة فارغة.
هذا التجمّد لا يحدث بسبب نقص المعلومات، بل بسبب غياب مهارة البداية، الدروس نادراً ما تضعك في موقف تسأل فيه نفسك: ما الخطوة الأولى؟ لأن المدرّس قد حسم هذا السؤال مسبقاً.
المشاهدة تمرّن ذاكرتك على التعرف، لا عقلك على الإنتاج، تجعلك تقول: “نعم، هذا منطقي”لكن البرمجة لا تطلب منك الإقرار بالمنطق، بل صناعته.
عندما تحفظ الحل… دون أن تفهم طريق الوصول إليه
كثير من المتعلمين يظنون أنهم يطبّقون لأنهم يكتبون الكود مع المدرّس، لكن ما يحدث فعلياً هو نوع من التقليد الآمن.
كل شيء معروف:
- المشكلة معرّفة
- الحل مرسوم
- الأخطاء متوقعة
إحدى المتعلمات التي قضت أشهراً في التعلم الذاتي وصفت تجربتها بجملة صادقة:
“أشعر أن رأسي ممتلئ بالمعلومات، لكن يدي فارغة.”
هي لم تكن كسولة، بل منضبطة إلى حد مفرط، كانت تعيد مشاهدة الأجزاء الصعبة، تحفظ الأنماط، وتكتب ملاحظات دقيقة، لكنها درّبت نفسها على التذكّر لا التفكير، الفرق بين الأمرين لا يظهر داخل الدرس، بل خارجه.

الدروس تقدّم عالماً مثالياً… والواقع لا يفعل
في الدروس البرمجية:
- لا توجد متطلبات غامضة
- لا يوجد عميل يغير رأيه
- لا توجد أخطاء بلا تفسير
- لا توجد خيارات متعددة بلا إجابة واضحة
لكن عندما تحاول بناء شيء حقيقي، تجد نفسك في عالم مختلف تماماً:
- لا تعرف أي تقنية تختار
- لا تعلم إن كان الحل الذي تفكر فيه مناسباً
- لا أحد يؤكد لك أنك تسير في الاتجاه الصحيح
أحد المتعلمين أنهى دورة كاملة في JavaScript، ثم حاول بناء تطبيق بسيط لإدارة المهام، لم تكن المشكلة في كتابة functions أو التعامل مع arrays، بل في سؤال واحد ظل يطارده:
“كيف أحوّل الفكرة إلى خطوات؟”
هذا السؤال لا يظهر في الدروس، لأنه مزعج، وغير منظم، ولا يصلح للتسجيل. [1]

نسخ الكود: التقدّم الوهمي الأكثر شيوعاً
نسخ الكود يعطيك إحساساً خادعاً بالتقدّم، تكتب الكثير، ترى نتيجة على الشاشة، وتشعر أنك تتحسن.
لكن اسأل نفسك بصدق:
- هل اخترت هذا الحل؟
- هل قررت هذه البنية؟
- هل كنت ستصل إلى هذا الكود وحدك؟
غالباً، الإجابة لا، النسخ لا يدرّب على اتخاذ القرار، والبرمجة في جوهرها سلسلة قرارات تحت عدم اليقين.
أحد المتعلمين كان يطبق بعد كل درس، لكن تطبيقه كان دائماً نسخة شبه مطابقة للمثال، وعندما حاول تغيير فكرة التطبيق قليلاً، انهار كل شيء، لم يكن يفتقد المعرفة، بل المرونة الذهنية. [2]

الفجوة الحقيقية: فجوة التفكير لا المعرفة
المشكلة التي لا يتحدث عنها أحد بوضوح هي أن أغلب الدورات تدرّس:
- ماذا تكتب
- متى تستخدم هذا أو ذاك
- كيف يعمل الإطار أو اللغة
لكنها نادراً ما تدرّس:
- كيف تفكّر عندما لا تعرف الحل
- كيف تتعامل مع مشكلة غير مكتملة
- كيف تخطئ بطريقة مفيدة
- كيف تخرج من المثال الجاهز
وهنا تتكوّن فجوة صامتة بين من “يفهم” ومن “يستطيع”.

متى يبدأ التحوّل الحقيقي؟
التحول لا يحدث عند إنهاء دورة، ولا عند فهم جميع الدروس، ولا حتى عند كتابة كود نظيف.
التحول يبدأ في لحظة غير مريحة: عندما تجلس أمام مشكلة، وتشعر بالضياع، ثم تقرر المحاولة بدل العودة مباشرة للشرح.
عندما تكتب كوداً سيئاً، ثم تكتشف لماذا هو سيئ، عندما تبحث عن خطأ لساعات، ثم تفهمه في دقيقة، هذه التجارب لا تُصوَّر في الدورات، لكنها تصنع المبرمج. [3]
إعادة تعريف دور الدروس
المشكلة ليست في الدروس نفسها، بل في الدور الذي نعطيه لها، عندما تصبح الدروس هي الطريق، فأنت تسير في مسار مرسوم لك، لكن عندما تصبح مرجعاً، تتغير اللعبة.
المتعلم الذي يتقدم فعلياً هو من:
- يحاول قبل أن يشاهد
- يشاهد ليصحح لا ليبدأ
- يبني أفكاراً ناقصة ثم يحسنها
- يقبل الارتباك كجزء من العملية [4]
خاتمة
أنت لا تعاني لأنك ضعيف… بل لأنك بدأت تقترب، إذا وصلت إلى هذه المرحلة حيث تفهم الدروس لكن تعجز عن الكتابة، فهذه ليست علامة فشل، بل علامة انتقال من متلقٍ إلى صانع، من مشاهد إلى مفكّر.
بعد وهم الفهم، تأتي مرحلة أصعب: مرحلة تحمّل مسؤولية التفكير، وهنا، لا ينقذك درس، ولا يختصر الطريق إطار عمل،
ولا يطمئنك مثال جاهز.
لكن في هذه المرحلة تحديداً، يتوقف كثيرون… ويبدأ القليلون.
أسئلة شائعة وتلخيص للمعلومات
- لماذا أفهم الدرس تماماً لكن لا أستطيع كتابة كود بنفسي؟ فهم الشرح نظرياً لا يعني القدرة على التطبيق، الدروس عادة تعرض الحلول جاهزة، بينما كتابة الكود تتطلب اتخاذ قرارات، تحليل المشكلة، وتجربة الأخطاء. المشاهدة تمنحك فهماً، لكن التطبيق يكوّن المهارة.
- هل المشاهدة وحدها منافية للتعلم؟ لا، المشاهدة مهمة لفهم المفاهيم، لكنها ليست كافية، يجب دمجها مع التطبيق العملي والممارسة المتعمّدة، مثل محاولة حل المشكلة قبل مشاهدة الحل، أو بناء مشروع بسيط من الصفر.
- هل نسخ الكود من الأمثلة خطأ؟ النسخ ليس خطأ إذا كان هدفه التعلم، لكن الاعتماد عليه باستمرار يمنعك من تطوير التفكير البرمجي المستقل، الحل الأفضل هو تعديل الأمثلة وتجربة تغييرات صغيرة.
- كيف أتجاوز خوفي من كتابة كود خاطئ؟ الفشل جزء طبيعي من التعلم، ابدأ بمشاريع صغيرة، حاول كتابة كود غير كامل، ثم صحّحه تدريجياً، مع الوقت، يصبح الخوف أقل، والقدرة على التجربة أكبر.
- لماذا أشعر بالارتباك عند بناء مشروع بسيط؟ في الدروس، المشاكل واضحة والحل جاهز، في الواقع، يجب أن تتخذ قرارات بنفسك: اختيار اللغة، هيكلة الكود، التعامل مع الأخطاء. هذا طبيعي، ويعرف باسم الفجوة بين النظرية والتطبيق.
- ما أفضل طريقة لتحويل المعرفة النظرية إلى مهارة عملية؟ ابدأ بمحاولة حل مشكلة قبل مشاهدة الدرس، ثم ارجع للشرح لتصحيح الأخطاء، ثم كرّر العملية مع مشاريع صغيرة، وحاول تعديلها أو إضافة ميزات جديدة بنفسك.
- هل إتقان اللغة البرمجية يحل المشكلة؟ ليس دائماً، يمكنك معرفة كل القواعد، لكن إذا لم تتعلم تحليل المشكلة، اتخاذ القرار، التعامل مع الخطأ، وبناء الحل خطوة بخطوة، ستظل عاجزاً عن كتابة الكود المستقل.
- كيف أتعلم اتخاذ القرارات البرمجية؟ عن طريق التجربة المتكررة: 1- اكتب كودك بدون نسخ مثال 2- قسم المشكلة إلى أجزاء صغيرة 3- جرّب حلولاً مختلفة 4- تعلم من الأخطاء بدلاً من الخوف منها
- ما الفرق بين الفهم النظري والتطبيق العملي؟ الفهم النظري يعني أنك تعرف ما يفعله الكود، أما التطبيق العملي يعني قدرتك على إنشاء كودك الخاص، حل مشاكل جديدة، واتخاذ قرارات صحيحة تحت ظروف غير واضحة أو غير مثالية.
- متى أعلم أنني بدأت أتجاوز هذه المشكلة؟ عندما تجلس أمام شاشة فارغة، وتشعر:
“لا أعرف الحل بالكامل، لكن أعرف كيف أبدأ المحاولة”
هذا مؤشر قوي على انتقالك من متعلم سلبي إلى مبرمج قادر على التجربة والتفكير المستقل.







